English

نحن الآن في عصر الانتقاء

English

نحن الآن في عصر الانتقاء
الصورة من Shutterstock

تسبب وباء فيروس كورونا في توقُّف عجلة الاقتصاد بشتى أنحاء العالم، وبدأت شركات كثيرة في المنطقة تشعر بآثار ذلك. يعرض فادي غندور –الرئيس التنفيذي لشركة ومضة ومؤسس شركة أرامكس– مُجمل الدروس المُستفادة التي يجب وضعها في الاعتبار خلال هذه الأوقات العصيبة التي تتسم بانعدام اليقين.

 

يلاحظ المتابعون لأخبار وباء فيروس كورونا العالمي أن مصطلح "انتقاء المصابين" أصبح في الوقت الراهن من المصطلحات الشائعة، وصار يتردد كثيراً على ألسنة السياسيين والأطباء والمُحلِّلين. وقد ظهر هذا المصطلح الطبي لأول مرة في ساحات الحروب النابليونية حيث وضع الجراح الفرنسي دومينيك جان لاري نظاماً لعلاج جرحى الحروب حسب خطورة إصاباتهم ومدى حاجتهم الملحة للعلاج.

ولم يكن للرتبة العسكرية حينئذ أي دور في تقدُّم صاحبها على غيره في تلقي العلاج، بل كانت الأولوية تُمنح للذين من المرجح أن يُكتب لهم البقاء على قيد الحياة إذا تلقوا الرعاية الطبية. وانتقل الآن مفهوم انتقاء المصابين من ساحات القتال إلى المستشفيات وقاعات الاجتماعات (الافتراضية) لمجالس إدارة الشركات في جميع أنحاء العالم. 

كنت أتحدث في الآونة الأخيرة إلى بعض رواد الأعمال ومؤسسي الشركات الناشئة، أخبرتهم أنه يفضل أن يعتادوا على كلمة «الانتقاء»، لأنه أمر تقوم به كل شركة ومنظمة حكومية وغير حكومية وكل صندوق استثماري ومستثمر لدى إدارة هذه الأزمة غير المسبوقة. فالجميع يحاولون تحديد الأمور التي ينبغي أن يوجهوا إليها مواردهم، والمجالات التي تتطلب موارد أكثر أو أقل لتظل مؤسساتهم صامدة، أو في كثير من الحالات، لتظل على قيد الحياة. 

يسري ذلك أيضاً على الشركات الناشئة والشركات الصغيرة، إذ يجب عليها أن تفعل الشيء نفسه اليوم وأن تقرر إلى أين تُوجِّه مواردها. لقد أصبح الأمر مسألة حياة أو موت، وصار الاختناق يزداد يوماً تلو الآخر كلما حاولت الحكومات أن تحد من انتشار هذا الفيروس. وعليك أن تبذل كل ما في وسعك لإبقاء شركتك على قيد الحياة إلى أن تنتهي هذه المعركة.

يختلف هذا الوباء العالمي عن أي أزمة أخرى واجهتُها من قبل. فعلى مدار 38 عاماً من حياتي العملية وخلال فترة عملي في شركة أرامكس، شهدتُ الحرب الأهلية اللبنانية، والانتفاضة الفلسطينية، والحرب الإيرانية العراقية، وحربي الخليج الأولى والثانية، والانهيار المالي في عام 2008، والاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن "الربيع العربي". وكان لكل أزمة من هذه الأزمات تأثير شديد على الاقتصاد وعلى شركتنا، ولكننا كنا دائماً نجد طريقة للتغلب على الاضطرابات ومواصلة عملياتنا. فحينما كانت الحرب تندلع في منطقة ما، كنا نجد منطقة أخرى تنعم بالسلام، وحينما كان الركود يصيب إقليماً ما، كانت هناك أقاليم أخرى أكثر قدرة على التحمل والصمود، وكنا دائماً نجد طريقة تسمح لأحد الموارد بتعويض النقص الحادث في مَورد آخر.

ولكن وباء فيروس كورونا أصاب العالم أجمع بالشلل التام، ولا نكاد نجد موارد تكفي لإيجاد ذلك الحل البديل الذي يُمكِّننا من مواصلة عملياتنا. فما الذي ينبغي أن تفعله لإبقاء شركتك على قيد الحياة؟

عليك باتباع سياسة شدّ الحزام إلى أقصى حد ممكن، وتعلُّم كيف تقتصد في الإنفاق. الزم الاقتصاد وتدبير النفقات طوال الوقت، لأن الأزمة ستكون جزءاً من حياة كل مدير تنفيذي وصاحب شركة. لعلك سمعت من قبل مقولة "إذا حضر الكاش انتهى النقاش"، إلا أنك لن تعرف حقاً مدى أهمية السيولة النقدية إلا في أوقات الأزمات.

يجب أن تفكر في أهم الأمور الضرورية لبقاء شركتك وصمودها في وجه هذه الأزمة، ولا بد من اتخاذ قرارات شديدة الصعوبة لتحديد مَنْ سيبقى من الموظفين ومَنْ منهم سيذهب؟ وإلى أي مدى يمكنك خفض الرواتب؟ وما الأنشطة التي يلزم التوقف عن الاستثمار فيها أو تأجيلها؟ ومَن مِن الموردين يمكنك أن تؤجل سداد مستحقاته؟ وهل منتجك الآن مناسب للسوق أم يجب أن يخضع لتطورات سريعة لكي يتحمل هذه الموجة العاتية من التغييرات السريعة للغاية؟ لا بد أن تعمل مع فريق الإدارة بشركتك لطرح كثير من الأسئلة عن كل نشاط تقومون به، والنظر في كل مبلغ يُصرَف، وبناءً على ذلك تُطبَّق سياسة الفرز والانتقاء.

لن تتلقى رداً من كثير من المستثمرين في أوقات الأزمات، فهم مشغولون في معاركهم  أخرى، وقلقون على التزامات أخرى أهم. كما أنهم عاكفون أيضاً على تطبيق سياسة الفرز والانتقاء على الشركات الناشئة التي استثمروا بها لدعم القوية منها والتخلي عن الأخرى التي تواجه صعوبات أكبر، فهم كذلك يريدون الحفاظ على أموالهم. وسوف يميلون إلى الاحتفاظ بسيولتهم النقدية حتى إن كانوا قد وقعوا على اتفاق أولي معك أو حتى إن كانوا قد وقعوا على جميع العقود التي تريدها. فهم في أشد الحاجة إلى اجتياز العاصفة والنجاة منها، وأغلب الظن أنك ستكون في آخر قائمة أولوياتهم إذا كانت شركتك تستهلك موارد نقدية كبيرة. ولن يهتم المستثمرون الجدد أيضاً بالاستثمار في شركات جديدة حتى إشعار آخر. فإذا كانت لديك سيولة نقدية، حافظ عليها. أما إذا كانت شركتك من الشركات التي تستنفد موارد نقدية كبيرة ، فأنت في مأزق ما لم تتمكن من إدارة تلك الموارد على وجه السرعة. 

عليك أن تهتم بموظفيك وتحيطهم برعايتك، ولا تدعهم يكونون أول ضحايا الأزمة بأن تستغني عنهم فوراً. بل ابحث عن طريقة لتجنب تسريحهم إن استطعت، واطلب منهم أن يشاركوك التضحية، فربما يقبلون بأجر أقل في أثناء الأزمة، وابحث عن طريقة لمكافأتهم عند انتهاء الأزمة. فبذلك ستجدهم أحرص على العمل وأكثر ولاءً لشركتك. وسيُعرف عن شركتك أيضاً أنها تهتم بموظفيها ولا تتخلى عنهم في أوقات الشدة. فانتشار روح التعاطف الإنساني وثقافة الحرص على مصلحة موظفي الشركة سيستقطب أصحاب الكفاءات  ويجعل الشركة تحظى باحترام المجتمع الذي تعمل به. وحينما كانت شركة أرامكس في حاجة إلى الدعم من العاملين فيها في أثناء أزمة نقدية مرت بها، ذهبتُ إلى كل مكتب من مكاتب أرامكس في جميع أنحاء المنطقة، وسألت أصحاب المناصب القيادية هل يقبلون تجميد زيادات رواتبهم ومكافآتهم لفترة معينة في مقابل حصولهم على أسهم في الشركة، ثم يعودون إلى تقاضي رواتبهم المعتادة في المستقبل بعد انقضاء الأزمة. فوافق أكثر من 150 موظفاً من الإدارة العليا الذين يتقاضون أعلى الرواتب على تقديم الدعم الكامل، وقبلوا جميعاً اقتراحي. وحصلوا على الأسهم التي عوضتهم فيما بعد عن تضحياتهم، وزاد ولاؤهم للشركة. فتكاتفت الشركة وموظفيها جنباً إلى جنب في أوقات الشدة لتكون العلاقة بينهما علاقة تكافلية حقاً.

إن الوقت الحالي هو أشد الأوقات وأصعبها في حياتك المهنية، وسيكون أكثر الأوقات التي ستتحدث عنها في المستقبل. فسوف يُحفَر في ذاكرتك وفي ذاكرة كل من حولك مدى الحياة. وكيفية تصرُّفك كقيادي أو مدير أو مؤسس خلال الأزمة هو ما سيُحدِّد كيف تّعَرّف شركتك بعد انقضاء الأزمة، وهي ما سيرسم ملامحك كقائد ومسؤول في عيون الناس والمجتمع. فاعمل بشفافية، وأطلِع جميع الموظفين على الحقائق والمعلومات عن وضع الشركة، وكن أول وأكثر مَنْ يضحي، وكن دائماً في الصفوف الأمامية لتكون قدوة يُحتذى بها، فهذا ما يّظهر معدنك!

 

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.